عبد القاهر الجرجاني
19
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
ومن المحفوظِ في ذلك حديثُ محمدِ بنِ مَسلمةَ الأنصاريَّ ؛ جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ الطريقُ ، قال : فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ ، قال : فقال محمد : كنَّا يوماً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لحسَّان بنِ ثابت : " أَنْشِدْني قصيدةً من شعرِ الجاهليّةِ ؛ فإِنَّ اللهَ تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرِها وروايته " ، فأنْشدَه قصيدةً للأعشى هجا بها علقمةَ بْنَ علاثة : عَلْقَمَ ما أنتَ إِلى عامرٍ . . . الناقضِ الأوتارَ والواترِ 1 فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم : " يا حَسّانُ ، لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعدَ مجلِسِكَ هذا " . فقال : يا رسولَ الله ، تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيمٍ عندَ قيصر ؟ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم : " يا حَسّان ، أَشْكَرُ الناسِ للناسِ أَشكَرُهم للهِ تعالى ، وإِنَّ قيصرَ سأل أبا سفيانَ بنَ حربٍ عنّي فتناولَ منِّي " وفي خبرٍ آخر : " فشَعَثَ منّي وإِنّهُ سألَ هذا عني فأَحْسَنَ القولَ " . فشَكرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وروي عن وجهٍ آخَرَ أَنَّ حسانَ قال : يا رسولَ الله ، مَنْ نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه 2 . ومِن المعروفِ في ذلك خَبرُ عائشةَ رضوانُ الله عليها أَنَّها قالتْ : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول : " أبياتك " . فأقول : إِرفعْ ضَعيفَكَ لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ . . . يَوْماً فتُدرِكَه العواقبُ قَدْ نَمى يَجْزيك أو يُثْني عليكَ وإنَّ مَنْ . . . أثْنَى عليكَ بِما فَعلْتَ فقد جزى
--> 1 ديوان الأعشى 1 : 105 2 الحديث رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وابن عساكر عن محمد بن مسلمة بلفظ : " يا حسان أنشدني من شعر الجاهلية ؛ فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايتها " ، وفيه أنه قال له بعد إنشاد القصيدة : " يا حَسّانُ لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ ، إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان وعلقمة بن علاثة ، فأما أبو سفيان فتناول مني ، وأما علقمة فحسن القول ، وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس " " رشيد " .